اسماعيل بن محمد القونوي
108
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
( على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء ) ثم قال ( ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به ) فيكون المفعول به محذوفا بقرينة كونه جوابا وأما في الأول فإما أن ينزل منزلة اللازم كما هو الظاهر الموافق لما ذكرنا من أن المراد إخراجهم عن قابلية الإيمان أو المفعول المحذوف يعتبر عاما مع الاختصار قوله ( لأنه جوابه ) ورعاية المطابقة لما قبله يقتضي التقييد سواء كان في الحكاية أو المحكي وسواء كان المراد به العموم أو الخصوص فإن الإيمان باللّه واليوم الآخر مقيد بحسب الظاهر وهذا مراد المصنف لا التقييد به احترازا عما سواهما وبالجملة أريد بهما ما أريد بهما في قوله آمنا باللّه وباليوم الآخر وقيل الظاهر المطابق لما في الكشاف أنه ابتدأ كلام لفائدة مستقلة ويجوز تعلقه بقوله ولذلك الخ . ولا يخفى أن المعنى الثاني هو المتبادر من كلام المص وأنسب بالمقام . قوله : ( والآية تدل على أن من ادعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمنا لأن من تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمنا ) أراد به الرد على أبي منصور الماتريدي حيث قال في التأويلات الآية إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بألسنتهم قولا وأظهر وإخلاف ما في قلوبهم فأخبر اللّه تعالى نبيه عليه السّلام أنهم ليسوا مؤمنين أي بمصدقين بقلوبهم فهذه الآية ونحوها تنتهض على الكرامية لأنهم يقولون الإيمان قول باللسان دون التصديق فأخبر اللّه تعالى عن جملة المنافقين أنهم ليسوا بمؤمنين أي لم يأتوا بالتصديق وهذا يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب والكرامية يقولون بل هم مؤمنون فرده المصنف بقوله والآية تدل إلى قوله والخلاف مع الكرامية في الثاني فلا ينهض حجة عليهم نقل في أواخر المواقف وإيمان المنافق مع كفره كإيمان الأنبياء عليهم السّلام وفي شرحه لاستواء الجميع في ذلك الإيمان نقله عن الكرامية . فالآية الكريمة تنتهض حجة عليهم فالقول قول شيخنا أبي منصور الماتريدي رحمه اللّه تعالى ونقل الإمام عنهم أن المنافق عندهم مؤمن ومن مذهبهم أن الإيمان لا يلزم أن يكون منجيا من العذاب المخلد انتهى . فحينئذ لا ثمرة في الخلاف « 1 » بيننا وبينهم إذ المنافق مخلد في النار عندنا وعندهم قوله : ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به كان الوجه السابق مبنيا على أن المراد بنفي الإيمان المدلول عليه بقوله عز وجل : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] نفي أصل الإيمان ومطلقه فإذا نفي مطلق الإيمان فقد نفي الإيمان المقيد وهو الإيمان باللّه وباليوم الآخر بطريق الاستلزام وإذا حمل على التقييد يكون المعنى وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ باللّهو باليوم الآخر وعلى أيهما يحمل يكون نفي الإيمان منهم على طريق الكناية إلا أن في الوجه الأول كنايتين وفي الثاني واحدة لكن في الثاني من معنى المقابلة والطباق التام ما ليس في الأول فإن الأول مقابلة المطلق للمقيد والثاني مقابلة المقيد للمقيد .
--> ( 1 ) فإن قيل إن الكرامية ذهبوا إلى أن الإيمان الإقرار باللسان بشرط أن لا يخالفه قلبه فيكون فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه مؤمنا عندهم ولا يكون مؤمنا عندنا فثمرة الاختلاف متحققة فيه قلنا الكلام في كون المنافق مؤمنا عندهم لا عندنا .